من نحن

ولادة الفكرة :

صباح 7/4/1991 حينما طرق الشيخ المعلم يده اليمنى فوق يده اليسرى لتنبيه زميلي الذي كان يقرأ بدوره من القرآن الكريم (لأنه لم يطبق حكماً تجويدياً معيناً أثناء تلاوته) فجاءتني الفكرة التالية:

 

لِمَ لا يُعبر الحرف الخاضع للحكم التجويدي عن نفسه باستخدام لون معين، عوضاً عن انتظار طرقة يد المعلم لتشير لموقع الحكم التجويدي، وتدرّج هذا اللون للتعبير عن زمن هذا الحكم، وليصبح التجويد مُدوّناً على الرسم العثماني ذاته كما هو حال التشكيل والتنقيط على الحرف بعدما كانت سماعية فقط ...وهكذا كانت الحاجة أم الاختراع.

 

شرح الفكرة :

 

لما كانت قراءة القرآن على الشكل الصحيح والمتواتر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تمثّل عملاً طيّباً يستجيب لأمر الله تعالى (ورتّل القرآن ترتيلا)، إذ يصبو قارئ القرآن أن يحقق لنفسه وعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة).

وإنّ تحصيل قراءة القرآن لا يُمكن أن تتمّ إلاّ عبر المشافهة والتلقّي كما تسلسل تواتره من الأبرار إلى الأخيار إلى سيّد الخلق سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

 

هذا وقد أنعم الله تعالى علينا بوسائل عصريّة تقدّم تسهيلات شتّى تخدم قارئ القرآن لتساعده في النطق الصحيح لمخارج الحروف بغية تجويد قراءة القرآن (أي تحسين أدائه وإظهاره على الشكل اللائق به)، ومن باب تسهيل تلك القراءة، ما ورد في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي-كتاب آداب تلاوة القرآن (يُستجبّ تحسين كتابة القرآن وتبيينه، ولا بأس بالنقط والعلامات بالحمرة وغيرها، فإنّها تزيين وتبيين وصد عن الخطأ واللحن لمن يقرؤه).

 

وكان أن هيّأ الله لنا ما نستفيد به من تقنيّات العصر وعلومه من خلال فهم تطبيقي لعلم الأصوات، فأمكن تصنيف الحروف الخاضعة لأحكام التجويد الرئيسيّة ضمن ثلاث فئات:

 

 فئة الحروف التي تمدّ مداً زائداً (بالنسبة لحروف العلّة: الألف والواو والياء).

 فئة الحروف التي تخرج بغُنّة من الخيشوم (الألف) (بالنسبة لحروف الياء والواو والميم والنون).

 مخارج حروف القلقلة والراء المفخّمة.

 

وعلى هذا فقد أمكن الاستعانة بالتلوين للوصول إلى نتائج مرضية تفي بتحقيق التسهيل المطلوب في التعرّف على الحكم التجويدي وأدائه بشكل مرئي بالعين، وبغية مساعدة القارئ العادي للدلالة على موقع الحكم ونوعه، والقارئ الحافظ لتذكيره بتلك الأحكام.

 

وكان للعبارة المدوّنة بتقرير لجنة إقرار مصحف مجمّع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد، والتي ورد فيها: (وكان علماء الضبط يُلحقون هذه الأحرف حمراء بقدر حروف الكتابة الأصلية ولكن تعسّر ذلك في المطابع فاكتُفي بتصغيرها في الدلالة على المقصود) كان لها أثر بالغ في التفكير باستخدام اللون المرمّز زمنياً لتحقيق الغرض المطلوب، إذ أنّ الموانع التي كانت في السابق مع مرحلة بداية الطباعة كانت تحول دون اللجوء إلى استخدام تلك العلامات اللونية، وبما أنّه أصبح متاحاً الآن على مطابع الأوفست استخدام التقنيّات المتطوّرة في مجال الألوان، وعوضاً عن وضع الألوان على الإطار الزخرفي للمصحف الشريف أو تلوين لفظ الجلالة باللون الأحمر، فإنّ الاستفادة من هذه الألوان في الدلالة على الأحرف الخاضعة لأحكام التجويد هو من باب أولى لمصلحة القارئ العادي.

وبهذا كان فتحاً من الله تعالى ورود فكرة استخدام تلوين الحرف للتعبير عن خضوعه لحكم معيّن، وتدرّج شدة اللون للتعبير عن زمن هذا الحكم... فإذا كان اللون الأحمر مثلاً يعبّر عن المد، فالأحمر الغامق هو للمد الطويل اللازم بست حركات، والأحمر القاني هو للمد الواجب بخمس حركات، والأحمر البرتقالي هو للمد الجائز، في حين أنّ اللون الأخضر استخدم للتعبير عن موقع الغنّة، وزمنها حركتان (مقدار الحركة الواحدة بسط الإصبع أو ضمّها، أو حوالي نصف ثانية).

 

وقد استخدم اللون الأزرق الغامق للراء المفخّمة والأزرق السماوي للقلقلة أمّا اللون الرمادي فاستخدم للتعبير عن ما يكتب ولا يُلفَظ من الحروف وبذلك يطبّق القارئ للقرآن 28 حكماً تجويديّاً بشكل مباشر في أثناء التلاوة، من خلال ألوان: الأحمر والأخضر والأزرق (إذ أنّ اللون البرتقالي هو للمد الجائز من الحركتين حتى الست حركات وبهذا يُمكن أن يُعامل معاملة اللون الأحمر، في حين أنّ اللون الكمّوني هو للإشارات القصيرة وذات المد الطبيعي بحركتين فقط وهو خصوصيّة الألف المحذوفة في الرسم العثماني غالباً).

 

أي أنّ العين من خلال اللون الأحمر ترى مواقع المد، ومن اللون الأخضر ترى مواقع الغنّة، ومن اللون الأزرق ترى مخرجي التفخيم والقلقلة، وهكذا يتمكن القارئ العادي من تركيز ذهنه على معنى كلام الله تعالى فقط وفهم مراميه وتدبّر أحكامه، بمجرّد تعرّفه على المفتاح الموجود في المصحف الشريف.

 

ونشير هنا إلى أن تمييز أحكام التلاوة وتجويدها داخلٌ في مجال تسهيل القراءة على القارئ الذي لم ينل معرفة وافية من علم التجويد، وقد بذل علماء القراءات والرسم غاية جهدهم لتحقيق هذه الغاية المباركة في تمييز الشكل لمعرفة المُدغم من المُظهر وغير ذلك من الأحكام، وقد أجاز المحققون منهم استعمال ألوان الحبر في التفريق بين الحركات (كما أثبت ذلك الإمام أبو عمرو بن عثمان بن سعيد الداني المتوفّى عام 444هـ) في كتابه (المُحكم في نقط المصاحف) ص 8 و23 حيث قال: (أرى أن تكون الحركات والتنوين والتشديد والسكون والمد بالحُمرة والهمزات بالصفرة) فهذا تصريح بجواز التلوين الذي يُعين على تحسين تلاوة القرآن الكريم.

 

وفي كتاب الإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 170 وما بعدها للإمام الحافظ السيوطي المتوفّى عام 911هـ (يُستحب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها) وعملنا هنا هو تحسين للكتابة وإيضاح لها.

 

وكان سيدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إذا رأى مصحفاً عظيماً سرّ به، وعن ابن مسعود رضي الله عنه إذا مُرَّ عليه بمصحف زُيّن بالذهب قال: (إنّ أحسن ما زُيّن به المصحف تلاوته بالحق) وهذا العمل يُعين على تلاوته بالحق، وقال الإمام النووي (نَقطُ المصحف وشكله مستحب لأنّه صيانة له من اللحن والتحريف) والتلوين يزيد في الإيضاح.

 

وفيما يتعلّق بعملنا هذا، بيّن شيخ قرّاء الديار الشـاميّة محمد كريم راجح في 21 صف1412 هـ، بأنّ هذا العمل (مقبول وإذا لم ينفع لم يضر، ثمّ هو يُذكر ويدل، ولا يغني عن التلقّي من أفواه المشايخ)، في حين بيّن الشيخ القارئ محي الدين الكردي في 18 صفر 1415هـ (بأنّه قد يستفيد من هذا العمل البعيد عن التعلّم والكبير، فإنّهم لا يستطيعون التلقّي).

 

وقد بيّن الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي عضو مجمّع الفقه الإسلامي بجدّة ورئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق في 18 محرم 1415 هـ مايلي: (يقول الله تعالى "ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدكّر" وفي هذا دلالة واضحة على أنّ كل ما يُيَسّر تلاوة القرآن المفروض شرعاً تدبّره وفهم معانيه وإدراكه، والعمل بما جاء فيه، أمر واجب شرعاً على أولي العلم والفقه وتفسير كتاب الله، وإذا كان ترتيل القرآن المجيد واجباً شرعاً على النحو المعروف في علم التجويد، فإنّ كل أسلوب يُسهّل على القارئ معرفة أحكام التجويد والالتزام بها في التلاوة أمر جائز شرعاً، سواء أكانت حروف الطباعة بلون واحد أم بألوان مختلفة، والقراءة الناجحة هي التي ترتسم حروف كلماتها في الذهن، وهذه الطبعة للقرآن المجيد بالألوان تتفق مع تيسير القرآن وترتيله، وتثبت الأحكام في الذهن، فذلك أسلوب معاصر مرغوب فيه ولا ينافي المأثور والرسم المنقول، والله الموفق لدار المعرفة على هذا العمل المبرور).

 

ولدى استبيان آراء علماء القراءة والفقهاء على مستوى العالم الإسلامي تبيّن أن هذا العمل فيه (مساعدة كبرى على ضبط القراءة لكتاب الله تعالى، ولا يوجد فيه مانع شرعي، أسوة بما سبق من جهود للمسلمين في خدمة كتاب الله تعالى من شَكل ونَقط وعلامات وقف ومد وما إلى ذلك).

 

الأحكام المستفادة من التطبيق المباشر:

حسب القراءة المعتمدة عند الإمام الشاطبي، تمّ تطبيق ما يلي:

أولاً - اللون الأحمر (بتدرّجاته):

يرمز للمدود بأزمنتها المختلفة حسب تدرّج اللون

 

فاللون الأحمر الغامق، يرمز للمد اللازم ويمد ست حركات، ويشمل المد الكَلمي (بنوعيه المثقّل والمخفّف) والمد الحرفي (بنوعيه المثقّل والمخفّف).

 

واللون الأحمر القاني: يرمز للمد الواجب ويُمدّ خمس حركات ويشمل المد المتّصل والمد المنفصل والصلة الكبرى.

 

واللون البرتقالي: يرمز للمد الجائز، ويمد حركتين أو أربع أو ست حركات في حال الوقف على رؤوس الآي كما رسمت في المصاحف، وهي سنّة متّبعة يدل عليها حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها سُئلت عن قراءة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: (كان يُقطّع قراءته آية آية: بسم الله الرحمن الرحيم ـ الحمد لله ربّ العالمين ـ الرحمن الرحيم ـ مالك يوم الدين ) وقد أخرج هذا الحديث أبو داوود في سنّته في كتاب الحروف، والترمزي في ثواب القرآن، والإمام أحمد في مسنده جزء 6 صفحة 36، وهو اختيار البيهقي في شعب الإيمان.

 

ـ ويشمل هذا المد الجائز كلاً من المد العارض للسكون، ومد اللين.

 

في حين أن اللون الكمّوني: يرمز للمد الطبيعي وهو حركتان فقط سواء للألف المحذوفة من الرسم العثماني أو للصلة الصغرى.

 

ثانياً - اللون الأخضر:

يرمز لموقع الغنّة وزمنها حركتان، أما تمييزها (مرقّقة أو مفخّمة والنطق بها بشكل عام، فهذا لا بدّ من الرجوع به إلى التلقّي والمشافهة)، وقد تكون لغنّة الإخفاء، أو الإخفاء الشفوي، أو للنون المشدّدة أو الميم المشدّدة، وهي تشكّل مع اللون الرمادي حكم الإدغام بغنّة وحكم الإقلاب (كما هو موضّح في آخر المصحف الشريف).

 

ثالثاً - اللون الأزرق:

لوّنت بالأزرق الغامق الراء المفخّمة فقط دون التعرّض لحروف الاستعلاء ذات المراتب المختلفة للتفخيم دفعاً للتشويش عن القارئ.

 

أما بالنسبة لحروف القلقلة فقد لوّنت باللون الأزرق السماوي مع إشارة السكون التي عليها بالنسبة للقلقلة الصغرى، أما بالنسبة للقلقلة الكبرى فقد لونت بالأزرق عند الوقف عليها في رؤوس الآي (دون تلوين الحركة).

 

أما  اللون الرمادي:  فهو لما يُكتب ولا يُلفظ من الحروف، كحالة اللام الشمسية لتمييزها عن اللام القمرية، وألف التفريق، والمرسوم خلاف اللفظ، وهمزة الوصل داخل الكلمة، وكرسي الألف المحذوفة (الخنجرية)، والإدغام المتجانس، والإدغام المتقارب، وكذلك النون والتنوين الخاضعتان لحكم الإقلاب (بمساعدة اللون الأخضر لحرف الميم الصغيرة الموجودة فوق حرف النون أو في مكان التنوين، وكذلك النون والتنوين الخاضعتان لحكم الإدغام بغُنّة (بمساعدة اللون الأخضر للحرف المدغم فيه ـ لأنّ الغنّة عليه.(

 

إنّ فائدة القارئ العادي ـ لتحسين تلاوته ـ تتجلّى من خلال معرفته لمواقع أحكام التجويد الرئيسيّة، وإنّ تحسين التلاوة يتطلّب أوّلاً وأخيراً العودة إلى أهل هذا الفن من الحفّاظ والقرّاء، لتعلّم سلامة نطق الحروف من مخارجها، عملاً بقول الإمام علي كرّم الله وجهه (التجويد هو أذن وفن) .

 

كما أنّ هناك فائدة كبيرة تحققت من جرّاء استعمال التلوين، تجلّت من خلال القضاء على مبررات من يريدون تغيير الرسم العثماني إلى الرسم الإملائي، بدعوى أنّ هناك حروف مكتوبة بغير ما تُقرأ به، إذ أنّه الآن لم يعد لهم من مبرر لهذه الدعوى، فمثلاً (الصلو’ة) تمّ تلوين حرف الواو باللون الرمادي الذي لا يُلفظ، في حين أنّ إشارة الألف المحذوفة مُيّزت بلونها للدلالة على المد الطبيعي بحركتين، وهكذا .

 

هذا، ولمّا تبيّن أهميّة هذا العمل الجليل في خدمة كتاب الله تعالى بالمصحف المطبوع، تمّ تنفيذ ذات الفكرة على أشرطة الفيديو، حيث يتمكن المشاهد من الرؤية والسماع والمشاركة في التلاوة، والتي تُظهر بوضوح مواضع أحكام التجويد .

 

وكذلك تمّ تنفيذها على أقراص ليزريّة CD  يتمكن فيها مستخدم الكمبيوتر ذي الصوت والصورة من حفظ القرآن الكريم مرتّلاً بشكل مباشر، وفي فترة قياسيّة من الزمن وبأقلّ جهد ممكن، إذ تساعده حاسّتا السمع والبصر في التعرّف على الحكم التجويدي المرمّز لكامل المصحف الشريف، إذ يُعيد المتعلّم الجملة القرآنيّة التي سمعها بأذنه ورآها بعينه ـ وبعدد المرّات التي يرغبها ـ قبل أن يتابع المقرئ تلاوته، وبهذا تصبح عمليّة حفظ القرآن مُيسّرة وسهلة لطلاب المعاهد ولكل راغب بها، فاللون هنا مرتبط بذات الحكم لكامل المصحف الشريف، وهو ما يجعل القارئ العادي يأتلف معه ليصبح في النهاية على الشكل التالي:

حرف بلون احمر … يمد هذا الحرف ( أي يزاد زمن أداء الحرف)

 

حرف بلون أخضر … يُغَن، أي يخرج الصوت من الخيشوم ( الأنف)

 

حرف بلون ازرق .. مخرج حلقي لحروف القلقة و الراء المفخمة.

أما  الحروف ذات اللون الرمادي  فمن الأفضل أن لا نشغل فكرنا بها لأننا لا نريد نطقها.. فكما أن راكب السيارة يرى إشارة المرور الحمراء فيقف عندها، و يرى إشارة المرور الخضراء فيمر بمجرد مشاهدتها دون أن تأخذ حيّزا من فكره، وهو مظهر حضاري تم تعميمه في أنحاء العالم. كذلك هنا في هذا العمل الجليل وسيأتلف القارئ مع الألوان الثلاثة ليجد نفسه مطبقاً 28 حكماً بصورة مباشرة لينشغل فكره فقط بتدبر وفهم معاني كلام الله تعالى، هذا وقد تمت المحافظة على ماترمزه هذه الألوان (الأحمر و الأخضر و الأزرق) في القران الكريم، وذلك بتسجيل هذا العمل الجليل كبراءة اختراع لتُحمى فيها هذه الفكرة الخاصة بتدوين التجويد كما حميت من قبلها فكرة تدوين التنقيط ومن قبلها فكرة تدوين الشكل أو الاعجام.

 

منوهين في الختام بأن تدوين التجويد (الذي يعني تحسين الأداء) إضافة لكونه مطلبا دينياً هو مطلب لغوي كذلك، وستنعكس أثار تدوين التجويد حضارياً على تحسين أداء لغتنا العربية التي نعتز بها.

 

هذا وقد بدأ انتشار هذا المصحف الشريف (المسمى اصطلاحاً: مصحف التجويد) في العديد من أصقاع العالم الإسلامي رغم الحاجة الملحة لتعريف الناس به لحين تعميمه وتوزيعه ليشمل بإذن الله كل مدرسة وبيت ومسجد

 

وما كان ذلك ليتم لولا عون الله تعالى وتوفيقه.

 

مراحل تدوين القرآن الكريم :

 

المرحلة الأولى:  رسم لكلمات الله تعالى (في عهد رسول الله "ص")

إنّ الله تعالى مُنجز وعده (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون) قد منّ على أمّتنا الإسلاميّة بأن قيض لها من يتبارون لخدمة قضايا أمّتهم على مدى العصور والأزمان، وكان لتدوين كلام الله تعالى في قرآنه المجيد النصيب الأوفى من تلك الخدمات الجلّى.ففي صدر الإسلام وبعد أن أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه ـ وهو لا يقرأ ولا يكتب ـ بأن يكتبوا كلام الله تعالى، فكتبوه رسماً فقط بدون شكل ولا نقط (حيث كان ذلك يُميّز بالسماع والتلقّي فقط)،

المرحلة الثانية:  تدوين التشكيل (في عهد الإمام علي كرم الله وجهه)

ومن المعروف أنه بعد أن جُمع القرآن في عهد الخليفة عثمان بن عفّان رضي الله عنه، قام أبو الأسود الدؤلي في عهد الإمام علي كرّم الله وجهه بإنجاز الإعجام أو الشكل، بغية تمييز الحركات الإعرابية لتوضيح المعنى، فالفتحة مثلاً فوق لفظ الجلالة في الآية الكريمة (إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماء) تجعل المعنى يستقيم، في حين أن الضمة عوضاً عنها تعكس المعنى رأساً على عقب، ويصبح القول شركاً والعياذ بالله، وعلى هذا ظهرت أهميّة تدوين الشكل بالحركات الإعرابية الأربع من فتحة وضمّة وكسرة وسكون، ولم تعد تلك الحركات سماعيّة تؤدّى مشافهة بالتلقّي فقط، وإنّما أصبحت مرئيّة بالعين تساعد قارئها في استقامة المعنى وتركيز الذهن عليه.

المرحلة الثالثة:  تدوين التنقيط (في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان)

أمّا الخدمة الممميّزة الثالثة في تدوين كلام الله تعالى فقد تمت من قبل النصر بن عاصم الليثي بتكليف من الحجّاج بن يوسف الثقفي ـ في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان ـ حيث تمّ تدوين التنقيط بوضع النقطة والنقطتين والثلاث على الأحرف المتشابهة بالرسم، تمييزاً لها عن بعضها ليستقيم المعنى ويتفرغ الذهن له، عوضاً عن انشغاله بتمييز الحاء عن الخاء عن الجيم مثلاً، فأصبحت النقطة فوق حرف الحاء تجعله (خاء)، وأسفله تجعله (جيم)، وهكذا.

المرحلة الحديثة:  تدوين التجويد

في حين بقي التجويد يؤخذ بالتلقّي والمشافهة فقط، بمساعدة بعض القواعد التي تعين حافظها على تذكّر الأحكام التجويديّة ليجري تطبيقها أثناء التلاوة، كقاعدة (يرملون) للدلالة على مواقع الإدغام مثلاً.

مرّت السنون.... والناس بين حافظ لتلك الأحكام ـ ولله الحمد ـ وبين بعيد عنها بدعوى صعوبتها وحاجتها للمران والتدريب بالتلقّي

وقد نال شرف هذه الفكرة  الدكتور المهندس صبحي طه رحمه الله

 

الفكرة الإبداعية في مصحف التجويد :

 

بسم الله الرحمٰن الرحيم

والصلاة والسلام على سيّد المرسَلين وعلى آله وصحبه، ومَن والاه، إلى يوم الدين.

الحمدُ لله، الذي أنزلَ القرآن على خاتَم الأنبياء، ليكونَ رحمةً للِعالَمين.

ومِن مظاهر رحمته، أنه عَلَّم الإنسانَ القرآنَ والبيان، عَلَّمه بالقَلم، عَلّمَه ما لمَ يَعلم..

* * *

إنها حكمةُ الله، تتَجلَّى صُوَرُها في أوجُهِ حياتِنا،

في كل زمانٍ ومكان... لِتُؤكِّدَ على الثابت.. فَتؤصِّلَه،

وتتعامَل مع المُتَغير.. فتُكَيّفَه رافِداً يُغني ويُثري،

ولا يُناقض فَيُلغي.

* * *

إنها سُنَّةُ ديَمومَةِ الحياة لِقَومٍ يَفقهون

 

وهكذا قامت الفكرة الإبداعية في مصحف التجويد على محوَرَي التوثيق التاريخي، والإبداع العلمي:

 

محور التوثيق التاريخي:

المرحلة الاولى:

لقد كُتِبَ كلامُ اللهِ تعالى، بأمر رسولهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت العينُ تقرأ - مِنَ المكتوب - فقط رَسمَ الكلمة القرآنية، بينما بقيَ تشكيلُ الحروف وتنقيطُها وتجويدُها يُؤتى بالمشافهة والسماع والتلقي.

مثال: الآية القرآنية الكريمة:

 

كانت مكتوبة على الشكل التالي:

 

- في المرحلة الثانية

لتدوينِ كلامِ الله تعالى- والتي تَمَّت في عهد الإمام علي كرَّمَ الله وجهه-قام بها أبو الأسود الدُؤَلي والخليل بن أحمد الفراهيدي، تم فيها وضعُ علامات التشكيل (أي الفتحة والضمة والكسرة والسكون) لضبط الحركات على كلام الله المُدَوَّن.

 

إنَّ هذه المرحلة في التدوين، استَوعَبت المرحلة السابقة وحَلَّت محلها، ولم يُلْغَ دورُ التلقي، وإنما تَعزَّز لمعرفة كيفية لفظ هذا التشكيل المُدَوَّن.

 

في المرحلة الثالثة

لتدوين كلام الله تعالى- والتي تَمَّت في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان- قام بها النصرُ بنُ عاصم الليثي، تَمَّ فيها وَضعُ النُقَط على الحروف المتشابهه، لتمييزها عن بعضها

 

مثلاً تَمَّ تمييز حرف (الذال-ذ) بوضع نقطة فوق حرف (الدال-د)، وتمييز حرف (الجيم-ج) بوضع النقطة أسفل حرف (الحاء-ح)... إلخ

أي أنَّ العينَ أصبحت تقرأ كلام الله المُدَوَّن برسمه وتشكيله وتنقيطه، بينما بقي التجويد (الذي يعني تحسينَ الأداء لبعض الحروف) يُؤتى بالمشافهة والسماع

.

إنَّ هذه المرحلة في التدوين، استوعَبَت المرحلة السابقة، وحَلَّت محلها، ولم يُلْغَ دورُ التلقي، وإنما تعزَّز لمعرفة كيفية لفَظ الحروف التي كانت متشابهة في رسمها.

 

في المرحلة الجديدة لتدوين كلام الله تعالى، والتي تمَّت حديثاً، تَمَّ فيها ترميزٌ زمني ولوني لبعضِ الأحرف الخاضعة لأحكام التجويد، وبالتالي أصبحَ كلامُ اللهِ تعالى المُدَوَّن يحوي العناصرَ جميعَها:مِنْ رَسمٍ وتشكيلٍ وتنقيطٍ وتجويد.

 

إنَّ هذه المرحلة في تدوين كلام الله تعالى قد استوعَبت المراحلَ السابقة جميعَها، وحَلَّت محلَّها، ولم تُلغِ ، ولَنْ تُلغي دورَ التلقي، وإنما سَتُعزِّز دور التلقي لمعرفة كيفية الإتيان بصوت الأحرف المُجَوَّدة، وتم ذلك بُغية تسهيل تلاوة القرآن الكريم مرتلاً، امتثالاً لقوله تعالى (ورتل القرآن ترتيلاً).

 

محور الإبداع العلمي :

يتبادرُ للذهنِ لأولِ وَهلة، أنَّ 28 لوناً قد استُعمِلت لتمييز 28 حُكماً تجويدياً، لكنَّ هذا لو أنه حصل، لَحَلَّ التشويشُ محلَّ الفائدة.

إذاً، ولكي نستشعرَ أهمية الترميز الزمني واللوني القائم على استعمال 3 فئاتٍ لونية فقط، عوضاً عن 28 لوناً...

علينا أنْ نُجري المقابلة التالية، بين الإبداع الذي تم في تطبيق الأحكام الإعرابية، والإبداع الحديث في تطبيق الأحكام التجويدية:

إن التشكيلِ الإعرابي للحروف باستعمال أربع حركات فقط: (الفتحة والضمة والكسرة والسكون)، تَتجلَّى أهميته في تعبيره عن عشرات الحالات الإعرابية المختلفة، فالفتحةُ مثلاً، هي ذاتُها لكلٍ مِن الفعل الماضي: (قالَ)، والفعل المضارع المنصوب: (حتى يأتيَ)، والمفعول به: (لا أعَلَمُ الغيبَ)، وكذلك المفعول لأجله، والمفعول المطلق، والتمييز، والحال...إلخ.

 

إنَّ تلك الأحكامَ الإعرابية المختلفة، قد استُعمِل لها ذات الشكل التدويني لتلك الفتحة، طالما أنها اشتركت بذات صوت الفتحة، وبحيث يتم تحديد ماهية الحكم الإعرابي لِكَلمةٍ ما حسبَ موقعها في الجملة، وهذا الأمرُ يَهتَمُّ به مَن يرغب بمعرفةِ سبب الحكم الإعرابي، أمّا مَن يقرأ، فعليه أنْ يعرف أنَّ هذه فتحةً تنصِبُ الكلمة، وعليه بعد أنْ يَسمعَها أنْ يُقلِّد صوتَها، وهو غيرُ مُطَالَبٍ بمعرفةِ سبب هذه الفتحة إعرابياً، لكنه مطالَبٌ بلفظ الكلمة بشكلها الصحيح، وبفهم معناها.

 

 

ولنأخذ مثلاً على ذلك، الجملة القرآنية:

إنَّ كثيراً من الناس يُخطئ بمعرفةِ سبب الكسرة على كلمة (الصالحاتِ)، فيظنُ أنَّ حُكمَها الإعرابي (مضاف إليه) وليس مفعولاً به جمع مؤنث سالم يُنصَب بالكسرة عوضاً عن الفتحة.

 

إنَّ المهمَ حقاً أنْ يَعرف القارئ أنه مُطالَبٌ بأنْ يَلفِظَ كلمة (الصالحاتِ) بالكسر وليس بالفتح أو الضم، كما عليه أنْ يُرَكّزَ ذِهنَه على فَهم وتدبُّر معنى تلك الجملة القرآنية، وليس على سبب حكمها الإعرابي، الذي هو للمختصين بالنحو والإعراب.

 

من هنا، فإن النقلة النوعية التي تَمَّتْ في مصحف التجويد، تتَجلَّى في أنه يَجعلُ قارئَ القرآن الكريم، مُجَوِّداً لكلام الله تعالى، بشكلٍ مباشَر مِن عينيه (بعد الاستماع جيداً لكيفية أداء الحروف من مخارجها الصحيحة مِن شيخه أو أستاذه المُعَلِّم)، تماماً كحالة تمييز حرف (الثاء-ث) عن حرف (التاء-ت)، فوجود ثلاث نقط على الحرف يعني أنَّ على القارئ أنْ يَلفظ حرف الثاء اللَثوي مِنْ مخرجه الصحيح بالتلقّي مِن شيخه أو أستاذه، وكذلك الأمر بالنسبة لتمييز حركة الفتحة عن حركة الكسرة.

وعلى هذا فإنّه ليس على قارئ مصحف التجويد سوى التَعرُّف عملياً على ثلاث فئات لونية فقط هي:

1- فئة اللون الأحمر بتَدرُّجاته، للحروف الخاضعة لأحكام المد.

2- فئة اللون الأخضر لحكم الإخفاء ولمواقع الغنة.

3- فئة اللون الأزرق الغامق للراء المفخمة، والفاتح للقلقلة.

 

أما اللون الرمادي فهو لا يُرى نسبة للحروف السوداء، وبالتالي لا يُلفَظ.

 

أما مَن يرغب بحفظ مُبَرِّرات الأحكام التجويدية وأسمائها، فهي مشروحة في أخر المصحف من خلال جدولٍ بسيط ومباشَر، يتضمن 28 حكماً تجويدياً أساسياً.

 

 اضافة الصور الموجودة في الرابط الفكرة الابداعية لمصحف التجويد

 

في النتيجة:

إنَّ قراءَةَ عدةِ صَفحاتٍ من مصحف التجويد، تَجعلُ عمليةَ تحسين الأداء (أي التجويد) تلقائية، وتُسَهِّل على المُعَلِّم والمُتَعلِّم تحقيق الفائدة المطلوبة، فالحرف الأحمر يُمَدّ، والحرف الأخضر يُغَنّ، والحرف الأزرق لصفة المَخرَج بالتفخيم أو القلقلة.

 

إنَّ هذه التلقائيةَ شبيهةٌ بتلقائية التعامل مع إشارة المرور، فالأحمر للوقوف، والأخضر للمرور...

وهذا يتم دون إشغال الفكر، الذي يتحَرَّر للتفَكّر والتدبّر فقط.

 

وكان فضل الله عظيماً، أن تَمَّت حِمَايةُ هذا العمل الجليل من عبث العابثين، بالوسائل التالية:

- شرعياً: مِنْ خلالِ موافقة الجهات المعنية في العالمين العربي والإسلامي، واعتماده مصحفاً وحيداً في استعمال الحروف المُلَوَّنة لأحكام التجويد بموجب تقرير لجنة مراجعة المصاحف في الأزهر الشريف بتاريخ 7/11/1999م.

- وقانونياً: مِنْ خلال حصوله على براءة اختراع رسمية في عام 1994.

- وعملياً: من خلال انتشار ملايين النسخ في العالم، وطلبه المتزايد.

 

فكرة الفراغ الوقفي :

 

أهمية براءة اختراع فكرة (الفراغ الوقفي الاختياري) في مصحف التجويد:

بما أنه (ليس في القرآن مِن وَقفٍ وَجَبْ)، لذا فإن فكرة الفراغ الوقفي التي حازت بموجبها دار المعرفة على براءة اختراع ، وتم تنفيذها بموجب موافقة إدارة الإفتاء العام في سوريا ثم موافقة الطباعة الصادرة عن الأزهر الشريف. قد بَيّنَتْ أن الفراغ الوقفي يعني الوقف الاختياري وليس الوقف الواجب، حيث أن حركة التشكيل على أخر حرف من حروف الكلمة المراد الوقف عليه اختيارياً... قد تم إحاطتها بمربع صغير (ليُستَدَل منه على أن هذه الحركة هي محجوزة ولا تُلفَظ أثناء الوقف) وذلك على قاعدة (عدم الوقف على متحرك).

 

أما إذا أراد القارئ عدم الوقف، فإنه يقرأ حركة هذا الحرف ويتابع التلاوة.

 

إن أهمية هذا الفراغ الوقفي الاختياري تتجلى في أنها تُجَنِب كل وقف لا يليق معناه بجلال القرآن وعظمته، وقد بَيّنَها كتاب إدارة الإفتاء العام والتي ورد فيها: (إن معالجة الحكم التجويدي عند الفراغ الوقفي، وبما تقتضيه المعاني – حسب ما وَرَدَ في المصاحف الرسمية المعتمدة المطبوعة منها والمسموعة ترتيلا – وبحيث لا تُشَوِه من جمالية خط النسخ بالرسم العثماني... إنما هو عمل مبارك مجيد، يَنْصَبُ في خدمة كتاب الله تعالى).

 

أما التَخَوف من زيادة حرف أو كلمة عند الفراغ الوقفي، فإنه غير وارد إطلاقاً، لان مثل هذا التَخَوف لا سمح الله هو وارد في وضع نقطة أو غيرها على أيّ حرف من حروف المصحف مما يُغيّر كلياً من معناه، ولكن الله حافظٌ لكتابه من أيّ عبث.

 

إن الفراغ الوقفي الاختياري يساعد عين القارئ في تحضير الذهن لتلاوة الجملة القرآنية بشكل صحيح، حيث إن التجويد هو (الإتيان الصحيح لمخارج الحروف، ومواقع الوقوف)، حيث أقر الأزهر الشريف تطبيق فكرة الفراغ الوقفي في مصحف التجويد وذلك بإجماع لجنة مراجعة المصاحف واعتماد الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف.

 

وعلى هذا فإن الله أكرمنا بانتشار مصحف التجويد هذا على مستوى العالم، واستفاد الناس منه بمختلف مستوياتهم، إضافة إلى اعتماده من أغلب معاهد تحفيظ القرآن، ولله الحمد.

 

خدمة QR الرمز المربع :

في مصحف التجويد المطبوع  المرمز زمنيا ولونيا لأحكام التجويد قمنا بطباعة الرمز المربع   QR  بأسفل كل صفحة لينقلك مباشرة للاستفادة من المزايا التالية على شاشة الموبايل الخاص بك :

التلاوات : تمتع بالاستماع إلى تلاوات القرآن الكريم بأسلوب جميل ورائع بصوت أشهر المقرئين.

سعد الغامدي  ( عبد الرحمن السديس  -  ماهر المعيلقي  -  سعود الشريم  -  معتصم العسلي - عبد الله بصفر  -علي الحذيفي  )

 

سماع التفاسير : تفسير معاني الآيات القرآنية لفهمها والعمل بها بشكل صحيح من خلال التفسير  ( الميسر - السعدي -      التربوي )

 

سماع الترجمات : تتوفر في التطبيق ترجمات للقرآن الكريم لعدة لغات منها (الإنجليزية - الفرنسية - الألمانية - الإسبانية - التركية - الروسية - الماليزية - الصينية - الأردية - الفارسية).

 

التحفيظ : من خلال الاعتماد على تكرار مقاطع أو آية يتم تحديدها للمساعدة على حفظها بسهولة ويسر وعدد غير محدود من التكرار.